منكر و  نكير

كما كان متوقعا في تدوينة ماضية فإن عدة شخصيات من الحزب الجمهوري السابق مهتمة
بالإنضمام إلى حزب سيدي الذي يعتزم أن يخوض به معترك الحياة السياسية. الفكرة التي يروج لها الحكم هي أن هذا الحزب سيبتعد عن “الشخصانية” و “التفرد” من رواسب المرحلة الماضية. لكن هل هذا ممكن؟
أولا من ناحية سياسية بحتة، المجتمع الموريتاني بتوازناته الحالية لا يمكن أن يفرز أي تجمعات أو تكلات سياسية لا ترتبط بالديناميكيات التقليدية (القبيلة، الطائفة ..إلخ) مما يعني أن أي تحالف سياسي هو تحالف ظرفي لا يستند إلى أي إيديولوجيا سياسية عدى الإعتقاد بالحق الطبيعي للبعض (النخبة) في الهيمنة على البعض الآخر و التي تستند إلى قراءة معينة للتاريخ الموريتاني. إذا فحزب سيدي هذا سيولد ميتا لعدم قدرته العضوية على تشكيل كادر يتساوى فيه المواطنون على إختلاف مشاربهم في الواجبات و الحقوق كما أنه لن يختلف كثيرا عن أحزاب الدولة التي سبقته في كونه هيكلا أجوف يستمد شرعيته من شخص الزعيم الذي يفتقد الكاريزماتية، على الأقل، سياسيا.
إما من الناحية العملية فالحزب يعاني الآن من تبعات الصراع الصامت بين الرئيس المنتخب و رئيس وزراءه، الأول يرى على أن الثاني ليس إلا منفذا لرغباته هو كرئيس للدولة الذي يستمد سلطاته من الدستور و هي رؤية ليست مخطئة تماما، أما الثاني فإنه يجد صعوبة في كبح جماح طموحاته الرئاسية الجامحة و التي تجسدت في قناعته بحقه في سن سياسات الدولة بإستقلالية خولتها الأصوات التي منحها هو لإيصال سيدي للمكان الذي وصل إليه. فآخر الأخبار تشير ظاهريا إلى إستعداد كتلة الزين للإنضمام للحزب شريطة تمثيل مقبول لهم في هيكله و لكن ما خفي أعظم.
الزين و جماعته يشترطون القبول المسبق بدعمه هو كمرشح للرئاسيات المقبلة، أي بعبارة أخرى فإن الزين لا يريد فقط الإستحواذ على الحزب، بل يريد أيضا أن يفرض نفسه كمرشح الدولة في الإنتخابات لأن المعادلة في بلدنا تفرض على أن مرشح الدولة هو الفائز في أي إستحقاقات، لهذا فهو إن ضمن هذا الموقع فإنه ينتزع دعم القوى النافذة إنتزاعا، فهؤلاء هم ذاتهم الذين صوتوا لسيدي وليس هناك مبرر بأنهم سيدعمون من يعارض الحكم خصوصا و أن الحرب المستعرة بين الزين و سيدي تشمل تقنية “فرق تسد” حيث أن سيدي دق إسفينا بين الزين و جناح من الجمهوريين بقوله لبيجل ولد حميد في لقائهما الأخير بأن الزين ليس فيه خير لهم و الدليل هو أن رئيس الوزراء طلب من الرئيس عزل بيجل و لكن الأخير رفض ذلك. مهما كان الجواب فالتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو بالأحرى ليس إن كان الزين يريد الترشح إنما هو إن كان سيدي يريد البقاء في الحكم لفترة ثانية عكس ما وعد به في حملته الإنتخابية. إذا هذا إختبار مهم لأن نوعية العلاقات التي ستنشأ بين الرجلين ستحدد وتيرة اللعبة السياسية في السنوات القادمة لأن المعارضة غائبة حتى إشعار آخر أو بالأصح حتى الأزمة القادمة .
يجدر بالذكر هنا أن بقية الأحزاب الميكروسكوبية التي كانت تشكل ما يسمى بالأغلبية الرئاسية أيام الحزب الجمهوري ستنضم في نهاية الأمر، أعني هنا حزب ولد سيدي بابا و حزب الناهة بنت مكناس. و يلاحظ أيضا أن هذه المرحلة من إرهاصات تكوين الحزب الجديد شهدت قيام الأمين العام للرئاسة بلعب دور أكبر في تلك المجهودات. لماذا يقوم موظف للدولة يستلم راتبه من الخزانة العامة بتشكيل حزب سياسي لرئيس الدولة؟ خم… كما قلنا في البداية، لن يختلف هذا الحزب عن سابقيه في الممارسات أو الطرح. الإختيار غير موفق.
على صعيد ثاني، الحدث السياسي الأهم على الساحة الوطنية منذ الإنتخابات مر بدون أي إنتباه، إنتخاب إبراهيما صاركرئيس لحزبه حدث مهم يستحق وقفة. فالرجل الذي كان سابقا عضوا في حزب مسعود هو أول زعيم زنجي يتمتع بشعبية ملموسة بين أبناء عمومته ،الذين إحتكر تمثيلهم علية القوم في مجتمعهم، تفرزه العملية السياسية في البلد منذ عدة عقود. هذا منعطف مهم لأن الزنوج الموريتانيين كانوا يفتقدون لقيادة تمتلك من المصداقية يؤهلها للتحدث بصوتهم و أخذ موقع على الطاولة.
و يضاف إلى ذلك حالة الإستياء الشديدة التي تعم أوساط مجتمع البيظان بسبب عدم إقتناع و رضى الكثيرين من موقف الحكومة من قضية اللاجئين. فالرأي العام يتخوف جدا من ما أصبح يسمى مجازا بالخطر الديموغرافي أي فقدان البيظان لتفوقهم العددي. و ما يزيد الطين بلة أن التعيينات الأخيرة شهدت تهميشا ممنهجا للمتعلمين بالعربية لصالح الفرنكوفون إذ قيل أن إحدى المبررات التي سيقت لتسريح عمال البنك المركزي أنهم لا يجيدون الفرنسية و أنهم عالة على الدولة. من الإنصاف هنا القول أن هنالك حالات كان أصحابها مقيدين في كشوفات البنك كعمال يتقاضون رواتبا شهرية بدون القيام بأي عمل في الإدارة، لا داعي لذكر الأسماء لأنها تعود لشخصيات إجتماعية مشهورة. على ذكر الأسماء ، أحد الأسماء الذي يتكرر بكثرة هو إسم مديرة في إحدى إدارات الدولة التي يشكك الكثيرون في موريتانيتها لأنها كانت موظفة تعمل في إدارة البريد السنيغالي لحظة تعيينها و هي متزوجة من سنيغالي و والدها سنيغالي. هذا النوع من التصرفات الغير مسؤولة من حكومتنا هو الذي يزرع بذور الشقاق بين أبناء الوطن. هذا باب فتنة فتح و يمكن أن يعود علينا بمصائب نحن بغنى عنها.

على نظام الحكم فهم و تفهم أن اللغة العربية خط أحمر لا يمكن تخطيه، الوحدة الوطنية خط أحمر لا يمكن تخطيه. موريتانيا وطن للكل و لكن لا يعقل أن يهمش فيه المتعلمون بلغة أجدادهم بدعوى محاكاة العصر. على الجميع أخذ العبر من تاريخنا الماضي لتفادي المآسي التي قد تنجم عن التلاعب بالوحدة الوطنية و معرفة أنه تستحيل إعادة الماضي، نحن لسنا في الستينيات من القرن الماضي و لا يمكن حرمان جيل كامل من المتعلمين بالعربية من القيام بدورهم في بناء المجتمع.