نواكشوط

بحلول هذا الشهر العظيم في حياة المسلمين يحتفل التجار مع كل أبناء الأمة و يعلنون تضامنهم معنا برفع الأسعار في لفتة طيبة على خطاب الرئيس المنتخب. حبذا لو أن مستشاريه لم يقحموه في هذا المأزق خصوصا أن سيدي إقتصادي بارز يدرك تمام الإدراك أن تدخل الدولة في آلية التسعير ليس إلا حلا وقتيا قصير الأمد له عواقب وخيمة على المدى البعيد،و حلقة مفرغة الخاسر فيها هو المستهلك و دافع الضرائب، تلك مسلمات إقتصادية معروفة. التاريخ يعج بحكايات و قصص قادة و زعماء غيروا مساره، لكن قل ما تحدث التاريخ عن من قادوا شعوبهم إلى الأمام بدون مصارحتهم بالحقائق، كنت أتمنى كمواطن أن يقوم حكامنا بكسر الروتين بإخبارنا بالحقائق و وضعنا أمام الواقع بدلا من التظاهر بأن كل شئ على ما يرام، كنت أتمنى على معارضينا القيام من سباتهم و القيام بدورهم في تنشيط الحياة السياسية بدل ترك فراغ على الساحة السياسية لتمتلأ بإشاعات سخيفة عن إحتمال قيام العسكر بإنقلاب ضد الثنائي الحاكم.

الإنقلابات مهما كانت دوافعها و أسبابها في النهاية خطر جامح، فقد إحتاجت بلدنا لما يقارب من ثلاثة عقود ليستلم فيها مدني مقاليد الحكم، حتى و إن لم نتأكد بعد من مدى سيطرته، الدرس هنا هو أن العسكر سرطان إن لم يستأصل دابره فإنه سيستفحل و يصعب القضاء عليه، بل إنه سيرجع مرة أخرى . العبرة الثانية هي أن الكثيرين لم يفهموا بعد أن الديموقراطية لا تعني ربح كل شئ أو خسارة كل شئ، بل تعني رقابة دائمة على الدولة و عدم الثقة بالدولة كمبدأ للتعاطي السياسي و فرض ثقافة رقابة المجتمع على نشاطات السلطة لترسيخ مسلمة بديهية: الدولة ليست مقدسة بل هي خادم للمواطنين.
كل هذا الكلام سيظل إنشائيا إن لم ينتهز معارضونا و ساستنا الفرصة قبل أن يتفرعن السلطان و يفرغوا الديموقراطية الموريتانية من ربها الذي تحلم كل الشعوب العربية بتذوقه.

على صعيد آخر سأل أحد المعلقين عما إن كان يحيى ولد الواقف لعب دورا خلال فضيحة الحجاج. الجواب هو نعم، الرجل كان مدير الشركة خلال تلك الفترة. و قد عزله أعلي ولد محمد فال بسبب تلك الفضيحة المخزية. الرجل يعمل كوزير مكلف بأمانة رئاسة الجمهورية، و هو أنشط من تحرك لإنشاء حزب الدولة.

على ذكر حزب الدولة أقام موقع كريديم اليوم جلسة نقاش حول الحزب أدارها الصحفي المخضرم محمد فال ولد عمير مدير أسبوعية لا تريبين. و حضر الجلسة ممثلون عن أغلب الأحزاب السياسية عدى الإسلاميين الذين أعلنوا سابقا دعمهم لإقامة حزب الدولة. الحلقة عموما لم تضف الكثير للخطاب السياسي إلا أن مشاركتين إثنتين لفتتا إنتباهي. الأولى كانت من سيدي محمد ولد الشيكر ممثلا عن هيئات المجتمع المدني الذي قال أن وبال السياسة في موريتانيا هو كون نفس الوجوه و نفس السياسات متحكمة في اللعبة السياسية طوال سنوات طويلة و بإختلاف الأنظمة. و أن تلك الطبقة لا تمارس السياسة بهدف خدمة المجتمع بل لخدمة نفسها و مصالحها. كلام مثير للإهتمام خصوصا أنها النبرة النقدية الوحيدة التي يمكن أن تكسب أي مصداقية لدى الشارع.
المشاركة الثانية هي لبيجل ولد حميد ، الرجل على الرغم من كونه رمزا من رموز الفساد أسكت المعارضة بقوة حجته و سرعة بديهته، فقد أفحم كان حاميدو بابا النائب من التكتل بقوله له: ” أن من يريد أن يقيس مصداقيته و شعبيته فليترشح في مسقط رأسه.” وتلك ثلمة في خطاب كان حميدو بابا الذي ترشح في نواكشوط و يسيطر الجمهوريون على بلديته و غمز من طرف بيجل للإشارة على أنه أكثر شعبية منه.
ما ألاحظه هو أن ماقاله ولد الشيكر عن النخبة الحاكمة التي تخوض حروبها و صراعتها بعيدا عن رجل الشارع تجلى في كون النقاش الذي دار أجري بالفرنسية مما يعني أن أغلبية الموريتانيين لن يفهموا ما قيل فيه، نقطة نظام ليس إلا…