تتوالى الوقائع مشيرة إلى أن الجو السياسي في البلد محتقن و أن ثمة أزمة تلوح في الأفق رغم النشوة التي عاشتها الطبقة الحاكمة بعد إنتخاب الرئيس و حكومته. فقد أطل رئيس الوزراء الزين ولد زيدان في أول إنتقاد علني له للأوضاع و أداء الحكومة الذي لا يحتاج المرء لمخيلة جامحة لفهم أن الوزير الأول يحاول الخروج من ظل رئيس ضعيف لإظهار إستقلاله عن المنظومة السياسية التي تدور في فلك الرئيس على الرغم من إشتراكهما في الحزب الجديد.

الملفت للإنتباه أن تصريحات رئيس الوزراء هي أول إعتراف رسمي بحالة التذمر و السخط العام التي تمر بالبلاد فقد قال:

“هناك عدم ارتياح على ما تم تحقيقه في مجال التغيير, خلال الفترة التي انقضت من عمل الحكومة”

في قطيعة نادرة مع ممارسات حكامنا لم يتهرب الزين وذلك بتقديمه تفسيرا مبنيا على الواقع بدلا من التهرب من المشكلة أو إنكارها كما جرت العادة تحت الأحكام السابقة

“ان الكثير من الناس يتعاملون داخل الإدارة وكأن شيئا لم يطرأ, متجاهلين دعوة الحكومة, وعلى أعلى المستويات, الى إرساء الشفافية وحسن التسيير والعدالة وغيرها, حيث يلاحظ الكثير من المراجعين, أن مؤسسات في الدولة لم تغير صيغ تعاملها حتى الان

المقطع الأكثر إثارة في هذه التصريحات هو قوله:

وطالب بالالتزام التام بما ورد في بيان الحكومة, داعيا جميع الموظفين إلى تطبيق ذلك بشكل صارم, وان من ليس لديه الاستعداد لذلك, عليه مغادرة المسؤولية وإلا فسيتم الاستغناء عنه, مؤكدا في المقابل أن من احترم هذه الإجراءات فان الدولة ستوفر له الحماية من جميع التأثيرات مهما كان نوعها.
وأشار إلى ان الكثير من الناس لا يزالون يمارسون استغلال النفوذ, وان هناك أشخاصا يمتهنون ذلك السلوك, منتحلين تسهيلات من مختلف المسؤولين في الدولة من أجل الحصول على ما ليس لهم الحق فيه, ويجدون آذانا صاغية لدى بعض الإدارات التي مازالت تعمل بالنمط القديم.

المقصود هنا هو أم المؤمنين ختو بنت البخاري التي أثار تدخلها في سير الإدارة و بسطها لنفوذها حفيظة الكثيرين و على رأسهم رئيس الوزراء. على سبيل المثال حدث صدام شديد بين السيدة الرئيسة و محمد السالك ولد هيين مدير شركة الكهرباء الذي بعثت له الرئيسة بأحد أعوانها مزودا برسالة تطلب منه فيها تعيين حامل الرسالة في شركته، إستشاط ولد هيين غضبا قائلا لحامل الرسالة بأن عليه حمل رسالته إلى كاتبتها و إعلامها بأنه لا تربطهما أيي علاقة أو قانون يخولها أي صلاحية له. و قد تكرر الحادث مع وزير التجهيز الذي إستجاب لطلب الرئيسة بتعيين أحد أعوانها لكن في منصب رئيس قسم بدل مدير مما عرضه للويل و الثبور من الرئيسة التي إتصلت به لتهدده بالعزل إن لم يمتثل لأوامرها.

تجرؤ الزين على مواجهة الرئيسة سببه قناعته بأن مصدر السلطة الحقيقي في المنظومة الرئاسية هو العقيد محمد ولد عبد العزيز لأنه هو الذي أدار المحادثات مع الزين بشأن إنضمامه لحزب الدولة و تعهد له بتعيين الناني ولد الشروقة كمدير الديوان الرئاسي.

العبرة التي نستشفها أن هنالك فراغا في السلطة بدأ إحساس الجميع به بسبب تجاوزات المحيط الرئاسي التي تسئ إلى التجربة الموريتانية و تهدد المكتسبات التي حققتها البلاد بإنتخاب رئيس مدني.
كما أن تزايد نفوذ السيدة الأولى التي لا يستند الدور و السلطات التي تحاول إكتسابها إلى أي أساس قانوني أو دستوري هو تحد واضح لسيادة القانون و أسس الدولة و يجعل الحياة السياسية تتحدد معالمها، في غياب معارضة فاعلة، كمحصلة التفاعل بين مراكز القوة التي ظهرت مع النظام الجديد.